صديق الحسيني القنوجي البخاري

31

فتح البيان في مقاصد القرآن

بأخذ ما أمرهم بأخذه الرسول ، وترك ما نهاهم عنه ، أمرهم بتقواه ، وخوفهم شدة عقوبته ، فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فهو معاقب من لم يأخذ ما أتاه الرسول ، ولم يترك ما نهاه عنه . عن أبي رافع أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به ، أو نهيت عنه فيقول : لا أدري ، ما وجدنا في كتاب اللّه اتبعناه » « 1 » ، أخرجه أبو داود والترمذي وقال : هذا حديث حسن ، والأريكة كل ما اتكىء عليه من سرير أو فراش أو منصة أو نحو ذلك ، وفي الباب أحاديث ، ثم بين من له الحق في الفيء فقال : [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 8 إلى 10 ] لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 9 ) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 10 ) لِلْفُقَراءِ قيل : بدل من لذي القربى وما عطف عليه ، قاله أبو البقاء ، ومقتضاه اشتراط الفقر فيه ، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ، ومن ثم جعله الزمخشري كذلك ، وأطال الكلام فيه ولا يصح أن يكون بدلا من الرسول وما بعده ، لئلا يستلزم وصف الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالفقر ، وقيل : التقدير لكيلا يكون دولة ، ولكن يكون للفقراء وقيل : التقدير اعجبوا للفقراء ، وبه فسر المحلي ، وهو موافق لمذهب إمامه الشافعي وأصحابه من الاستحقاق بالقرابة ، ولم يشترط الحاجة ، فاشتراطها وعدم اعتبار القرابة يضاده ويخالفه ، ولأن الآية نص في ثبوت الاستحقاق تشريفا لهم ، فمن علله بالحاجة فوت هذا المعنى والذي يؤيد تقدير فعل التعجب كما ذكره أبو البقاء وتبعه الكواشي مجيء قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ [ الحشر : 11 ] الآيات مصدرا بألم تر ، وهي كلمة تعجب ، لكون ذكرهم جاء مقابلا لذكر أضدادهم ، وقيل : التقدير : واللّه شديد العقاب للفقراء ، أي للكفار بسبب الفقراء ، وقيل : هو عطف ما مضى بتقدير الواو كما تقول : المال لزيد لعمرو لبكر .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 5 ، والإمارة باب 33 ، والترمذي في العلم باب 10 ، وابن ماجة في المقدمة باب 2 ، والدارمي في المقدمة باب 49 ، وأحمد في المسند 2 / 367 ، 4 / 131 ، 132 ، 6 / 8 .